ابن كثير
309
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
للوثن تركوه للوثن ، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فيجعلونه للأوثان ، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة للّه ، فقال اللّه تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً الآية « 1 » . وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية : كل شيء يجعلونه للّه من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة وما كان للآلهة لم يذكروا اسم اللّه معه ، وقرأ الآية حتى بلغ ساءَ ما يَحْكُمُونَ « 2 » . أي ساء ما يقسمون ، فإنهم أخطئوا أولا في القسم ، لأن اللّه تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه ، وله الملك وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته ، لا إله غيره ولا رب سواه ، ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة لم يحفظوها بل جاروا فيها ، كقوله جل وعلا : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ [ النحل : 57 ] وقال تعالى : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ [ الزخرف : 15 ] وقال تعالى : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى [ النجم : 21 ] وقوله تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى [ النجم : 22 ] . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 137 ] وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 137 ) يقول تعالى : وكما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ، شركاؤهم زينوا لهم قتل أولادهم « 3 » ، وقال مجاهد : شركاؤهم شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة ، وقال السدي : أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات إما ليردوهم فيهلكوهم ، وإما ليلبسوا عليهم دينهم ، أي فيخلطوا عليهم دينهم ونحو ذلك « 4 » . قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقتادة : وهذا كقوله تعالى : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ [ النحل : 58 - 59 ] الآية ، وكقوله وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [ التكوير : 8 - 9 ] وقد كانوا أيضا يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الفقر أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف المال وقد نهاهم عن قتل
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 350 . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 351 . ( 3 ) تفسير الطبري 5 / 352 . ( 4 ) الأثران عن مجاهد والسدي في تفسير الطبري 5 / 352 - 353 .